عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

457

اللباب في علوم الكتاب

وكان رجلا حلو المنظر ، حلو الكلام ، وكان يأتي رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فيجالسه ويظهر الإسلام ، ويقول : إنيّ أحبّك ، ويحلف باللّه على ذلك ، وكان منافقا ، وكان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يدنيه في مجلسه ، وكان حسن العلانية خبيث الباطن ، فخرج من عند النبي صلى اللّه عليه وسلم فمرّ بزرع لقوم من المسلمين فأحرق الزّرع ، وقيل : المواشي ، وقيل : بيّت قوما من ثقيف فلبسهم ، وأهلك مواشيهم ، وأحرق زرعهم . وقال مقاتل « 1 » : خرج إلى الطّائف مقتضيا مالا له على غريم فأحرق له كدسا « 2 » ، وعقر له أتانا « 3 » ، والنّسل : نسل كلّ حيوان من ناطق ، وغيره ؛ فنزلت الآية الكريمة . الثّاني : أنّ الأخنس أشار على بني زهرة بالرّجوع يوم بدر وقال لهم : إنّ محمّد ابن أخيكم ، فإن يك كاذبا كفاكموه سائر النّاس ، وإن يك صادقا كنتم أسعد النّاس به ، قالوا نعم الرّأي ما رأيت قال : فإذا نودي في النّاس بالرحيل فإنّي أخنس بكم ، فاتّبعوني ، ثمّ انخنس بثلاثمائة من بني زهرة عن قتال رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - وسمّي بهذا السّبب الأخنس ، فبلغ ذلك رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - فأعجبه . قال ابن الخطيب « 4 » : وعندي أنّ هذا القول ضعيف ، لأنّه لا يستوجب الذّمّ بهذا العمل ، والآية مذكورة في معرض الذّمّ ، فلا يمكن حملها عليه . الثالث : روي عن ابن عبّاس والضحّاك أنّ كفّار قريش بعثوا إلى النّبيّ - صلى اللّه عليه وسلم - أنّا قد أسلمنا ، فابعث إلينا نفرا من علماء أصحابك ، فبعث إليهم جماعة ، فنزلوا ببطن الرجيع ، ووصل الخبر إلى الكفّار ، فركب منهم سبعون راكبا ، وأحاطوا بهم ، وقتلوهم ، وصلبوهم ، فنزلت هذه الآية الكريمة ، ولذلك عقّبه بقول « مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ » « 5 » فنبّه بذلك على حال هؤلاء الشّهداء . القول الثّاني : وهو اختيار أكثر المحقّقين من المفسّرين ، أنّها عامّة في كلّ من اتّصف بهذه الصّفة المذكورة ، نقل عن محمّد بن كعب القرظي « 6 » أنّه جرى بينه وبين غيره كلام في الآية فقال : إنّها وإن نزلت فيمن ذكرتهم ، فلا يمتنع أن تنزل الآية الكريمة في

--> ( 1 ) ينظر : تفسير البغوي 1 / 108 . ( 2 ) الكداس : الحب المحصود المجموع . ينظر : المعجم الوسيط 2 / 779 . ( 3 ) الأتان : الحمارة . ينظر : المعجم الوسيط 1 / 4 . ( 4 ) ينظر : تفسير الفخر الرازي 5 / 168 . ( 5 ) أخرجه الطبري « في تفسيره » ( 4 / 230 ) وذكره السيوطي في « الدر المنثور » ( 1 / 427 ) وزاد نسبته لابن إسحق وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس . ( 6 ) ينظر : تفسير الفخر الرازي 5 / 168 .